ابن حزم
200
رسائل ابن حزم الأندلسي
ولاية القاسم بن حمود المأمون فولي بعده أخوه القاسم بن حمود ، وكان أسن منه بعشرة أعوام ، وتلقب بالمأمون ، وكان وادعاً أمن الناس معه ، وكان يُذكر عنه أنه يتشيع ، ولكنه لم يظهر ذلك ، ولا غير للناس عادة ولا مذهباً ، وكذلك سائر من ولي منهم بالأندلس ، فبقي القاسم كذلك إلى شهر ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وأربعمائة ، فقام عليه ابن أخيه يحيى بن علي بن حمود بمالقة ، فهرب القاسم عن قرطبة بلا قتال وصار بإشبيلية ، وزحف ابن أخيه المذكور من مالقة بالعساكر ، فدخل دون مانع وتسمى بالخلافة ، وتلقب بالمعتلي ، فبقي كذلك إلى أن اجتمع للقاسم أمره ، واستمال البربر وزحف بهم إلى قرطبة ، فدخلها في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة ، وهرب يحيى بن علي إلى مالقة ، فبقي القاسم بقرطبة شهوراً اضطرب أمره ، وغلب ابن أخيه يحيى على الجزيرة المعروفة بالجزيرة الخضراء ، وهي كانت معقل القاسم وبها كانت امرأته وذخائره ، وغلب ابن أخيه الثاني إدريس بن علي صاحب سبتة على طنجة ، وهي كانت عدة القاسم ليلجأ إليها إن رأى ما يخاف بالأندلس . وقام عليه جماعة أهل قرطبة في المدينة ، وأغلقوا أبوابها دونه ، فحاصرهم نيفاً وخمسين يوماً ، وأقام الجمعة في مسجد ابن أبي عثمان . ثم إن أهل قرطبة زحفوا إلى البربر ، فانهزم البربر عن القاسم ، وخرجوا من الأرباض كلها في شعبان سنة أربع عشرة وأربعمائة ، ولحقت كل طائفة من البربر ببلد غلبت عليه ، وقصد القاسم إشبيلية ، وبها كان ابناه محمد والحسن ؛ فلما عرف أهل إشبيلية خروجه عن قرطبة ومجيئه إليهم ، طردوا ابنيه ومن كان معهما من البربر وضبطوا البلد ، وقدموا على أنفسهم ثلاثة رجال من شيوخ البلد وأكابرهم ؛ وهم القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد اللخمي ، ومحمد بن يريم الألهاني ، ومحمد بن محمد بن الحسن الزُبيدي ، ومكثوا كذلك أياماً مشتركين في سياسة البلد وتدبيره ، ثم انفرد القاضي أبو القاسم ابن عباد بالأمر ، واستبد بالتدبير ، وصار الآخران في جملة الناس ، ولحق القاسم بشريش ، واجتمع البربر على تقديم ابن أخيه يحيى ، وزحفوا إلى القاسم فحصروه حتى صار في قبضة ابن أخيه يحيى ، وانفرد ابن أخيه يحيى بولاية البربر ، وبقي القاسم أسيراً عنده وعند أخيه إدريس بعده ، إلى أن مات إدريس ، فقتل القاسم خنقاً سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة ، وحمل إليه ابنه محمد بن القاسم بالجزيرة ، فدفنه هنالك ؛ فكانت ولاية القاسم مُذ تسمى بالخلافة بقرطبة إلى أن أسره ابن أخيه ستة أعوام ، ثم كان مقبوضاً عليه ست عشرة سنة عند ابني أخيه إلى أن قتل كما ذكرنا في أول سنة إحدى وثلاثين ، ومات وله ثمانون سنة ، وله من الولد محمد والحسن